قرار سحب الثقة من السيد كريستوفر روس

         عرفت القضية الوطنية، منذ اتخاذ قرار سحب الثقة من السيد كريستوفر روس مستجدات وتطورات مهمة همت جوانب مختلفة من القضية، لكن تبقى جولة روس في المنطقة هي الحدث الأبرز، خاصة بعد 6 أشهر من سحب المغرب ثقته منه، و بالنظر إلى النتائج الأولية التي يمكن أن نستقيها، في أفق تقديم تقريره عن الجولة أمام مجلس الأمن. لكن لا بد، وقبل كل شيء التذكير بحيثيات سحب الثقة، و الذي كان قرارا صائبا يصب في مصلحة القضية الوطنية نظرا للنتائج التي أفرزها. و سنتطرق فيما بعد إلى حيثيات رجوعه و الذي يعبر عن عمق حسن نوايا المغرب في إعطاء السيد كريستوفر روس فرصة لمراجعة مواقفه، مع احتفاظ المغرب بالقرار السيادي بسحب الثقة في أي وقت.

         1- حيثيات سحب الثقة.

       تميزت التطورات الأخيرة في قضية الصحراء المغربية باتخاذ المغرب قرار سحب الثقة من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة. فاتخاذ هذا القرار لم يكن متسرعا و لا « خطيرا »، بل هو طبيعي و عقلاني و سيادي بالدرجة الأولى.

         فمنذ المراحل الأولى لإعداد تقرير الأمين العام لاحظت بلادنا توجها غير مسبوق، حيث خصصت بعض فقراته لمسألة صلاحيات المينورسو، في محاولة لإيجاد أرضية تبرر توسيع ولاية هذه البعثة، كأداة للضغط على المغرب. فقد تميز التقرير الأخير للأمين العام بعدم توازنه و قلة انسجامه، وتحيزه ضد مصالحنا، كما أنه يوحي بنية مبيتة لخلط الأوراق، بغية النيل من موقف المغرب التفاوضي، و إفراغ المبادرة المغربية للحكم الذاتي من حمولتها الإيجابية في حل النزاع، والمس بالسيادة المغربية على الصحراء و جر المفاوضات إلى متاهات لامتناهية.

         و على أساس هذه المعطيات، تحركت الدبلوماسية المغربية، بجدية و صرامة، على مستوى الدول الأعضاء داخل مجلس الأمن، بهدف تقويم و تصحيح الفقرات الأكثر إشكالية في التقرير الأولي. و قد تمكنا، بفضل هذه الجهود الحثيثة، من إحباط هذه المحاولات، حيث تم تعديل الفقرات التي كانت تمس بشكل مباشر بالمصالح العليا للمملكة المغربية، خاصة تلك المتعلقة بمسألة توسيع الصلاحيات السياسية للمينورسو.

وقد واصلت الدبلوماسية المغربية، بعد صدور التقرير الاممي، تحركاتها لتوضيح موقف المغرب و تحسيس الدول داخل مجلس الأمن بضرورة الحفاظ على دينامية مسار المفاوضات وعدم الانجرار وراء مواقف انحيازية.

       طيلة مراحل إعداد مشروع التقرير، باشر المغرب اتصالات حثيثة مع الأمانة العامة للأمم المتحدة للفت أنظارها إلى المنحى السلبي الذي قد يطبع بعض فقرات التقرير، و إلى المحاولات المغرضة للقفز على المهام الأساسية للمينورسو، مما مكنه من تفادي تأثير الجوانب السلبية من تقرير الأمين العام على  القرار 2044.

       و على إثر ذلك، و أخذا بعين الاعتبار الإستحقاقات القادمة التي ينطوي عليها القرار المذكور، قام المغرب بتقييم عام و شامل لمسلسل المفاوضات و لأداء السيد كريستوفر روس. و قد خلص هذا التقييم إلى الإستنتاجات التالية:

       – تآكل مسار المفاوضات : بعد انعقاد تسع جولات من اللقاءات غير الرسمية، أصبحت المحادثات غير المباشرة حبيسة أمور جزئية، و لم تعد تركز على جوهر وعمق التسوية التي طالب بها مجلس الأمن منذ 2007 ، على إثر تقديم  المبادرة المغربية للحكم الذاتي، في مختلف قراراته.

       – تجاوز المبعوث الشخصي للأمين العام لمهمته الأصلية المحددة في رسالة تعيينه في يناير 2009، و إخلاله بمبادئ الوساطة الدولية المتمثلة في الحياد و النزاهة.

       – محاولة التأثير على محتوى تقرير الأمين العام و تهميشه للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في محاولة منه لإضعاف السيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية بإقحامه رؤياه المسبقة للنزاع في المنطقة.

       وعلى هذا الأساس، قمت شخصيا بإخبار السيد الأمين العام للأمم المتحدة بموقف المغرب من الممارسات الأخيرة للسيد لكريستوفر روس التي تمس بالمصالح العليا للمملكة المغربية، ولا تخدم مسلسل المفاوضات. و في هذا الصدد، طالب المغرب بتصحيح مسار المفاوضات، رجوعا إلى قرارات مجلس الأمن و تقارير الأمين العام ذات الصلة.

       و قد ركزت كل المساعي الدبلوماسية التي قامت بها بلادنا على التزام المملكة المغربية بالشرعية الدولية، المتمثلة في قرارات مجلس الأمن، و تمسكها بإنجاح مسلسل المفاوضات، على أساس مبادرة الحكم الذاتي، بغية التوصل إلى حل سريع اعتمادا على روح الواقعية والتوافق، في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.

       2- حيثيات رجوع السيد كريستوفر روس و جولته في المنطقة.

       يجب التذكير بأن قرار سحب الثقة لم يكن ضد شخص السيد كريستوفر روس بقدر ما كان ضد منهجية إشتغاله. و قرارات مثل سحب الثقة من الوسيط الأممي أو سحب سفير من دولة أو إعادته، لا يمكن أن يكون في أي دولة من دول العالم قرارا يتخذ على مستوى وزير الخارجية، بل هو قرار دولة يتخذ على مستوى رئيس الدولة. والمكالمة الهاتفية لجلالة الملك مع الأمين العام الأممي السيد بان كي مون جاءت لتتوج مسارا من المشاورات والتفاعلات. وهذا المستوى العالي من التفاهم يعطي ضمانات أكبر للنتائج المتوصل إليها.

       و على إثر هذه المكالمة الهاتفية قدم الأمين العام للأمم المتحدة ضمانات مقابل السماح لمبعوثه الشخصي في قضية الصحراء المغربية بالقدوم إلى المغرب في إطار جولته بالمنطقة، و هي : التزم الأمين العام بعدم إدخال أي تغييرات على مهام الوساطة، وتأكيد حرصه على إيجاد حل سياسي مقبول من لدن الأطراف، ضمن الإطار المحدد من قبل مجلس الأمن. إضافة إلى الفصل بين المسارات الإنسانية والحقوقية ومراقبة وقف إطلاق النار عن المسار السياسي. و كلها ضمانات تعد ربحا للمغرب ومن المنتظر أن يجنبه انزلاقات تقرير الأمين العام الأخير، مع بقاء مهام بعثة المينورسو بعيدة عن التجاذبات السياسية.

  وفي هذا السياق فهذه الزيارة عادية جدا، لأن هذه المرة بسبب الاتفاق بين جلالة الملك والأمين العام، حددت المحددات الأساسية لها و التي تنطلق من قرارات مجلس الأمن و عدم تجاوزها، و عدم تجاوز صلاحيات بعثة المينورسو في المنطقة، و الحياد التام و عدم الانحياز لأي طرف أو طرف آخر. و بالتالي فقد أرسيت أسس الاتفاق التي تمت من خلالها هذه الزيارة.

و قد كانت لهذه الجولة عدة نتائج إيجابية بالنسبة للمغرب منها :

– اتضح صحة الطرح المغربي الذي بنى عليه قرار سحب الثقة من كون مسار المفاوضات جامد، و لم يحرز أي تقدم رغم 4 جولات من المحادثات المباشرة و 9 غير مباشرة.

– نجاح المغرب فغي تغيير مسار المفاوضات، و تقويمه.

– تغيير المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة منهجية عمله. وقد اتضح هذا التغيير في إقدام روس على عقد لقاء مع ممثلي الأحزاب السياسية المغربية، وتوجهه أيضا إلى الجنوب المغربي انطلاقا من الرباط، للقاء المسؤولين والمنتخبين المحليين، وكذلك الجمعيات المحلية.

– أهمية لقاء الأحزاب السياسية يكمن في أن روس أخذ منه فكرة التحام كافة مكونات المشهد السياسي المغربي، بمختلف تلاوينها، حول قضية الصحراء والوحدة الترابية للمغرب، والتأييد المطلق لمبادرة الحكم الذاتي، التي قال روس نفسه إنه تلقى تجاوبا دوليا معها.

– تنقله للعيون و لقاءاته مع مختلف التيارات المتجاذبة حول النزاع. ومن شأن تلك اللقاءات أن تقدم لروس عناصر جديدة حول الموضوع بما يساعد على صياغة الحل السياسي، وإدماج الرؤية الأممية للحل والمبادرة المغربية للحكم الذاتي، بما يؤدي إلى «التسوية في إطار الاستقرار».

– إعادة التذكير بالضوابط التي تحكم مهمته والأهداف التي تروم تحقيقها و التزامه باحترامها.

        

Leave a Comment

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.